السيد محمد الصدر

650

تاريخ الغيبة الصغرى

على داود عليه السلام . فإنه قال بعد ان سمع كلام المعتدى عليه : لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ ! . وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، وَقَلِيلٌ ما هُمْ . . « 1 » . ونحن لو نظرنا إلى المستوى الايماني لشعب هذين النبيين عليهما السلام ، فضلا عن مجموع البشرية في ذلك العصر ، وقد سبق أن حملنا عنه فكرة تفصيلية من خلال الحديث عن التخطيط الثاني ، لو نظرنا إلى ذلك ، لوجدنا الآيتين صادقتين تماما في ذلك العصر ، فان من يؤدي الشكر الكامل للّه عز وجل ، ومن يعمل العمل الصالح المطلوب ، كان في غاية الندرة ، ولا زال كذلك إلى العصر الحاضر . إذن ، فالآيتان خاصتان بذلك العصر ، أو قل بعصر الانحراف ، وغير شاملتين لمجموع البشرية ، لتكونا نافيتين للمجتمع المعصوم ودالتين على عدمه . الناحية الثانية : في الآيات الدالة على قلة المؤمنين في الآخرة ، وقد سمعناها . ولا بد قبل الاستدلال بها ، ان نتأكد من معناها . فان المراد بالسابقين قد يكون هو السبق إلى الايمان بالنبي ( ص ) قبل الآخرين ، كما فهمه الشيخ الطوسي « 2 » ، فجرى مجرى قوله تعالى : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ « 3 » . وقد يكون المراد به : المتقدمون إلى ثواب اللّه وجنته بالأعمال الصالحة ، كما فهمه الأصفهاني في مفرداته « 4 » . والثلّة : الجماعة « 5 » . وأما ( الأولين ) و ( الآخرين ) بالكسر . . . فهما مفهومان نسبيان ، لا يكون لهما مفهوم محدد ، لو لاحظناهما باستقلالهما ، لمدى توامي الأجيال البشرية وطولها . غير الظاهر جعل عصر نزول القرآن الكريم - بصفته هو المتحدث - محكا في ذلك . فالسابقون عليه هم ( الأولين ) ، والمعاصرون له ومن بعدهم هم ( الآخرين ) . ولا يوجد احتمال معقول في إرادة أي معنى آخر . فإذا التفتنا إلى هذه المعاني . . . أمكننا أن نلتفت إلى الآية الأولى تارة ، وإلى

--> ( 1 ) ص : / 24 . ( 2 ) التبيان في تفسير القرآن . ط النجف ج 9 ص 490 . ( 3 ) التوبة / 100 . ( 4 ) المفردات ط ص 222 . ( 5 ) المصدر ص 81 وانظر التبيان ج 9 ص 490 .